يرى كيهان برزجار، الباحث المتخصص في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية، أن الحرب التي اندلعت بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى أعادت رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، ودفعت طهران إلى موقع أكثر تأثيراً على المستويين الإقليمي والدولي. ويؤكد أن التطورات الأخيرة كشفت عن عناصر قوة جديدة تمتلكها إيران، سواء داخل حدودها أو عبر امتداداتها الجيوسياسية في المنطقة.
 

ويشير تقرير نشره موقع ميدل إيست آي إلى أن الحرب دفعت صناع القرار في طهران إلى إعادة تقييم مصادر القوة الوطنية، بعدما أظهرت المواجهة أهمية الموقع الجغرافي الإيراني وقدرته على التأثير في طرق الطاقة العالمية، خاصة عبر مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط الدولية.



استراتيجية ردع جديدة تعزز النفوذ الإيراني



اعتمدت إيران خلال السنوات الماضية على ما وصفه الكاتب باستراتيجية "الدفاع الهجومي"، التي ارتكزت على شبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في لبنان وسوريا والعراق واليمن. غير أن الحرب الأخيرة أظهرت بعداً جديداً في منظومة الردع الإيرانية، حيث انتقلت نقطة الارتكاز الأساسية إلى الداخل الإيراني نفسه قبل أن تمتد إلى المجال الإقليمي.


وساعدت حالة التماسك الداخلي والتضامن الشعبي التي برزت خلال الحرب على تعزيز قدرة الدولة الإيرانية على مواجهة الضغوط العسكرية. كما منحت هذه المعادلة طهران قدرة أكبر على الصمود أمام التفوق التكنولوجي والعسكري لخصومها، وفق رؤية الكاتب.
 

ويرى برزجار أن إيران أدركت بصورة أوضح أهمية أوراق القوة المرتبطة بالجغرافيا السياسية، خصوصاً قدرتها على التأثير في أمن الطاقة العالمي، وهو ما منحها هامشاً أوسع للمناورة السياسية والدبلوماسية خلال الأزمة.


تراجع الهيمنة الإسرائيلية وتبدل الحسابات الخليجية
 

يعتقد الكاتب أن الحرب وضعت عراقيل كبيرة أمام الطموحات الإسرائيلية الرامية إلى فرض هيمنة إقليمية أوسع. فقبل اندلاع المواجهة، سعت إسرائيل إلى ترسيخ موقعها كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط مستفيدة من الدعم الغربي والتحولات الإقليمية التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر.


لكن المقاومة العسكرية الإيرانية والقدرة على تحمل الضغوط الاقتصادية غيرتا جانباً من هذه المعادلة. ومن وجهة نظر الكاتب، خرجت إيران من الحرب بصورة أقرب إلى القوة الإقليمية الصاعدة، بينما واجهت إسرائيل تحديات جديدة حدّت من قدرتها على فرض رؤيتها الأمنية والسياسية على المنطقة.


كما أثارت الحرب تساؤلات متزايدة داخل دول الخليج بشأن جدوى الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأميركية. فالهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي شهدتها المنطقة كشفت حدود الحماية التي تستطيع القواعد العسكرية الأجنبية توفيرها في أوقات الأزمات الكبرى.


ودفعت هذه التطورات عدداً من الدول الخليجية إلى محاولة تحقيق توازن أكبر في علاقاتها مع كل من واشنطن وطهران، سعياً إلى تجنب مزيد من التوترات التي قد تهدد الاستقرار الاقتصادي والأمني في المنطقة.


الشرق الأوسط أمام معادلة قوة جديدة
 

يؤكد الكاتب أن الحرب كشفت القدرات الحقيقية للأطراف المختلفة وأعادت ترتيب أولويات السياسة الخارجية الإيرانية. فبدلاً من تركيز الاهتمام على الملف النووي فقط، برزت عناصر جديدة تتعلق بالردع الجيوسياسي وأهمية الموقع الاستراتيجي الإيراني في معادلات الأمن والطاقة العالمية.
 

كما عززت الحرب البعد الدولي للدور الإيراني، بعدما أصبحت تداعيات أي مواجهة مع طهران تمتد إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وليس إلى حدود الشرق الأوسط فحسب. ويرى الكاتب أن هذا التحول منح إيران نفوذاً يتجاوز نطاقها الإقليمي التقليدي.
 

ويخلص برزجار إلى أن مستقبل التوازنات الإقليمية سيعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة العلاقة المقبلة بين إيران والولايات المتحدة، وعلى قدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى تسويات تقلل من احتمالات التصعيد. وفي ظل هذه المتغيرات، تبدو إيران، وفق رؤية الكاتب، أكثر حضوراً وتأثيراً في معادلة القوة الإقليمية مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/iran-new-regional-superpower